أخذني الحنين إلى أيام مضت كنت صغيرا قبل أن التحق بالمدرسة
وكنت أذهب مرغما إلى المسجد لأحفظ القرآن
وكان المار بجانب المسجد يسمع أهازيج وأصوات كالنحل
وهو يدرك جيدا أنها أصوات حفظة القرآن
وكان المسيد عبارة عن محل كبير مفرش بزربية منقوشة من نبات الحلفة كما يزيدها جمالا بقع هنا وهناك من السمغ المتساقط يصتف الطلبة على الحائط كل يحمل لوحه وعصية صغيرة يضرب بها اللوح ليسهل الحفظ .وتجد في مكان أمام الباب فراش مرتب عبارة عن "هيدورة" ومصحف او كتاب فقه وبعض العصي (الاقضبة ) من الرمان الطويلة كان الواحد منا يأكل ضربة من الإمام وهو في أخر الصف ، وتجد أيضا الفقيه يخيط الجلباب وأحد الطلبة واقف بين يديه يصفق بالخيوط عفوا يضرب فقط البورشمان، وكان الجو مليئا بالحماس و عندما يحن موعد الإلقاء على الإمام أو "العرادة" يسود الخوف فكم من واحد ينسى ما حفظه من شدة الخوف ومنا من يأكل "الفلقة " إن لم يحفظ وبعدها يأتي موعد مسح الألواح أو "محيها" نخرج من المسيد كالقطيع الى جانب المسجد وبالضبط أمام تلة من تراب البئر وكان لونها اصفر وازرق وكانت تربة جيدة نقوم بمحي الآيات بالماء ثم نتبعها بالتراب وبعدها نعرضها للشمس قليلا ونصتف امام بعض الطلبة الكبار الذين نترجاهم ليكتبوا لنا مقابل ان نمنحهم كمية من السمغ او اشياء أخرى من فواكه المشمش او البرقوق الصغير الحامضة والغير الناضجة أصلا وبعد لحظات تأتينا وجبة الفطور التي يتصدق بها بعض الاهالي وهي عبارة عن مقراج كبير من الشاي وأقراص كبيرة من الخبز الصلب او الحرشة " تراخسسات نمندي اثيوزان " يقوم الطلبة الكبار بجلب الكؤوس والصينية من محل مغلق ، اما الامام فانه يقوم اولا باختيار طرف كبير من القرص يضعه جانبا ثم يقوم بتقسيم الباقي قطعا صغيرة على السفرة ويقوم الطلبة بملأ الكؤوس الصغيرة " الحياتي" بالشاي نصتف ونأخذ كاسا صغيرا من الشاي وقطعة من الحرشة او " تراخسسات نمندي اثيوزان " ، تتجدد دورتنا الدموية وترتفع درجة الحرارة خصوصا في الأيام الباردة ثم نخرج الى منازلنا للغذاء على امل العودة بعد أذان الظهر ونكمل حفظنا الى أذان العصر وفي يوم الأربعاء نحمل الدراهم أو البيض للفقيه ومن لم يجد لا يحضر ولكن يدفع الثمن يوم السبت صباحا ، وكنت أتذكر بعض الفترات التي يزورنا شيخ أو رجلا كا مهاجرا او غائبا ونحن نحفظ القرآن في المسجد ويقوم بتحريرنا
يعطي بعض المال للفقيه ومن شدة فرح الفقيه يشاركنا فرحته ويقول لنا هيا اخرجوا وعودوا إلى منازلكم .
وبعض اللحظات يترك مكانه لأحد الطلبة الكبار خصوصا إذا جاءته زيارة تتعلق بصفقة عمل خصوصا مع العجائز فيما يتعلق بكتابة التمائم أو الحجبات لأغراض صحية ونفسية .
.......هذه أيام من أيام المسيد التي لم و لن تعود ابدا....


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق